الفروق العملية بين التقاضي أمام المحاكم القطرية والتحكيم، وأثر شرط فضّ النزاع المتفق عليه في العقد.
السؤال الذي يُطرح عادةً — أيّهما أفضل، التقاضي أم التحكيم؟ — سؤال بلا جواب عام. فالأفضلية تتغيّر بتغيّر العقد وطبيعة النزاع وصفة الأطراف والمكان الذي يوجد فيه مال المحكوم عليه. والأهم أن الاختيار لا يُتخذ عند نشوء النزاع، بل يكون قد اتُّخذ سلفاً في بند فضّ النزاع.
البند هو الذي يحدّد المسار
التحكيم طريق رضائي: فهو، بتعريف قانون التحكيم في المواد المدنية والتجارية الصادر بالقانون رقم (2) لسنة 2017، وسيلة قانونية رضائية لتسوية المنازعات بدلاً من الإجراءات القضائية. ولا يقوم إلا على اتفاق. فإن لم يوجد اتفاق تحكيم صحيح، كان القضاء هو الأصل.
وتضع المادة (7) شرطاً شكلياً حاسماً: يجب أن يكون اتفاق التحكيم مكتوباً وإلا كان باطلاً. ويُعدّ مكتوباً إذا ورد في مستند موقّع من الأطراف، أو في مراسلات ورقية أو إلكترونية، أو بأي وسيلة اتصال أخرى تتيح إثبات الاستلام كتابةً. كما يتحقق الشرط إذا تمسّك أحد الأطراف بوجود الاتفاق في صحيفة الدعوى أو في مذكرة الدفاع ولم ينكره الطرف الآخر في دفاعه. والإشارة في العقد إلى مستند يتضمن شرط تحكيم تُعدّ اتفاق تحكيم، بشرط أن تجعل الإشارة ذلك الشرط جزءاً واضحاً من العقد.
وثمة حدّ موضوعي لا يُتجاوز بالاتفاق: لا يجوز التحكيم في المسائل التي لا يجوز فيها الصلح. فبعض المنازعات خارجة عن نطاق التحكيم بحكم القانون، وإدراج شرط تحكيم فيها لا يُنشئ اختصاصاً.
أثر رفع الدعوى أمام المحكمة رغم وجود شرط تحكيم
وجود شرط التحكيم لا يجعل اللجوء إلى المحكمة مستحيلاً من الناحية الواقعية، لكنه يغيّر النتيجة. وتنص المادة (8) على أن رفع الدعوى أمام المحكمة لا يمنع من بدء إجراءات التحكيم أو الاستمرار فيها وإصدار حكم التحكيم. أي أن المسار التحكيمي يستطيع أن يمضي بالتوازي.
من يحكم، ومن يختاره
هذا فرق جوهري بين المسارين. ففي التحكيم تتألف هيئة التحكيم من محكّم واحد أو أكثر وفقاً لاتفاق الأطراف، وإذا لم يتفقوا على العدد كان ثلاثة، ويجب أن يكون العدد وتراً عند تعدد المحكّمين وإلا كان التحكيم باطلاً (المادة 10). ويُعيَّن المحكّم من المحكّمين المقبولين والمسجلين في سجل المحكّمين بالوزارة، ويجوز تعيين غيرهم إذا توافرت فيه الأهلية الكاملة، وألا يكون قد صدر ضده حكم نهائي في جناية أو جنحة مخلة بالشرف أو الأمانة ولو رُدّ إليه اعتباره، وأن يكون حسن السيرة والسمعة. ولا يُشترط في المحكّم جنسية معينة إلا إذا اتفق الأطراف أو نصّ القانون على غير ذلك (المادة 11).
وفي المقابل، القاضي في التقاضي لا يختاره الخصوم. والمقابل العملي لحرية الاختيار في التحكيم هو أن تشكيل الهيئة قد يستغرق وقتاً، وأن على الأطراف تحمّل أتعاب المحكّمين، وهي مسألة تتناولها هيئة التحكيم في حكمها (المادة 20 تُلزم بأن يبيّن الحكم أتعاب التحكيم ومصروفاته ومن يتحملها وإجراءات الدفع، ما لم يتفق الأطراف على غير ذلك).
مرونة الإجراءات والسرّية
للأطراف في التحكيم أن يتفقوا على إجراءات التحكيم، بما في ذلك قواعد الإثبات، ولهم أن يُخضعوا هذه الإجراءات لقواعد أي مؤسسة أو مركز تحكيم داخل الدولة أو خارجها (المادة 19). ولهم أن يتفقوا على مكان التحكيم داخل الدولة أو خارجها، وإن لم يتفقوا حدّدته الهيئة مراعيةً ظروف الدعوى وملاءمة المكان للأطراف (المادة 20). ولهم أن يتفقوا على لغة الإجراءات (المادة 22). وهذه المرونة هي أوضح ما يميّز التحكيم عن التقاضي، حيث الإجراءات مقررة سلفاً.
أما السرّية فلا ينبغي التعامل معها كخصيصة تلقائية للتحكيم. فمدى السرّية يتحدد بما اتفق عليه الأطراف وبقواعد المركز الذي أخضعوا الإجراءات له، ويبقى أن مرحلة الطعن أو التنفيذ قد تنقل جوانب من النزاع إلى القضاء. ومن ثم فإن من يعتمد على السرّية ينبغي أن ينصّ عليها ويتحقق من نطاقها، لا أن يفترضها.
التدابير المؤقتة
كثيراً ما يكون هذا هو العامل الحاسم عملياً. فلهيئة التحكيم، ما لم يتفق الأطراف على غير ذلك، أن تأمر بتدابير مؤقتة أو تصدر أحكاماً وقتية تقتضيها طبيعة النزاع أو منع ضرر لا يمكن تداركه، ومنها الحفاظ على الوضع القائم أو إعادته، ومنع وقوع ضرر حالّ أو محتمل، وتوفير وسيلة للحفاظ على الأموال التي يمكن التنفيذ عليها لاحقاً، وحفظ الأدلة المهمة، ولها أن تطلب ضماناً كافياً لنفقات التدبير (المادة 17).
لكن أمر هيئة التحكيم يحتاج إلى القضاء ليُنفَّذ جبراً: فللطرف الصادر لصالحه التدبير، بعد الحصول على إذن كتابي من الهيئة، أن يطلب من القاضي المختص الأمر بتنفيذه، ويأمر القاضي بالتنفيذ ما لم يخالف الأمر أو الحكم القانون أو النظام العام (المادة 17). كما يجوز للقاضي المختص، إذا لم تكن الهيئة قد شُكّلت أو كانت غير قادرة على التصرف الفعّال، أن يأمر بتدابير مؤقتة أو احتياطية قبل بدء إجراءات التحكيم أو في أثنائها، ولا يُعدّ هذا الطلب تنازلاً عن التمسك باتفاق التحكيم (المادة 9).
الطعن: هنا يقع أوضح فرق
حكم التحكيم لا يُطعن فيه بأي طريق من طرق الطعن، وإنما تُرفع في شأنه دعوى بطلان أمام المحكمة المختصة (المادة 33). ولا تُقبل دعوى البطلان إلا إذا أثبت رافعها سبباً من الأسباب المحددة في النص. وللمحكمة المختصة أن تقضي ببطلان الحكم من تلقاء نفسها إذا كان موضوع النزاع غير قابل للتحكيم وفقاً لقانون الدولة، أو كان الحكم مخالفاً للنظام العام للدولة.
والميعاد ضيّق: تُرفع دعوى البطلان أمام المحكمة المختصة خلال شهر من تاريخ تسلّم الأطراف الحكم، أو من تاريخ إعلان رافع الدعوى بحكم التحكيم، أو من تاريخ إصدار التصحيح أو التفسير أو الحكم الإضافي المشار إليه في المادة (32)، ما لم يتفق الأطراف كتابةً على تمديد الميعاد. فمن يخطئ في حساب هذا الشهر يفقد وسيلته الوحيدة للطعن.
ويقابل ذلك في التقاضي وجود طرق طعن مقررة أمام درجات التقاضي. فمن يريد إمكان مراجعة موضوعية أوسع قد يجد في القضاء ما لا يجده في التحكيم، ومن يريد نهائية أسرع قد يجد العكس. وهذه مقايضة صريحة لا تُحسم بقاعدة عامة.
التنفيذ، وهو ما يقرّر قيمة النتيجة
لحكم التحكيم حجية الأمر المقضي وهو قابل للتنفيذ وفقاً لأحكام القانون، بصرف النظر عن الدولة التي صدر فيها (المادة 34). ويُقدَّم طلب التنفيذ كتابةً إلى القاضي المختص مصحوباً بصورة اتفاق التحكيم وأصل الحكم أو صورة معتمدة منه باللغة التي صدر بها، مع ترجمة عربية معتمدة إن صدر بلغة أجنبية، ما لم يتفق الأطراف على وسائل أخرى للتنفيذ. ولا يُقبل طلب التنفيذ إلا بعد انقضاء ميعاد رفع دعوى البطلان.
ولا يجوز رفض الاعتراف بحكم التحكيم أو تنفيذه، أياً كانت الدولة التي صدر فيها، إلا في حالتين: بناءً على طلب من يُحتجّ عليه بالحكم إذا أثبت سبباً من الأسباب المنصوص عليها، أو من تلقاء نفس القاضي المختص إذا كان موضوع النزاع غير قابل للتحكيم وفقاً لقانون الدولة، أو كان الاعتراف أو التنفيذ مخالفاً للنظام العام للدولة (المادة 35). ويكون الطعن في قرار رفض التنفيذ أو الأمر به أمام المحكمة المختصة خلال ثلاثين يوماً من تاريخ صدوره.
والسؤال العملي في كل الأحوال واحد: أين توجد أموال الطرف الآخر، وما المسار الذي يُنتج قراراً قابلاً للتنفيذ هناك؟ وهذا سؤال يُطرح عند الصياغة لا بعد صدور الحكم.
المحكمة المختصة، ونقطة مهمة في تحديدها
يعرّف القانون المحكمة المختصة بأنها دائرة منازعات التحكيم المدنية والتجارية بمحكمة الاستئناف، أو الدائرة الابتدائية بالمحكمة المدنية والتجارية لمركز قطر للمال، وفقاً لاتفاق الأطراف. كما يعرّف القاضي المختص بأنه قاضي التنفيذ بالدائرة الابتدائية، أو قاضي التنفيذ بالمحكمة المدنية والتجارية لمركز قطر للمال، وفقاً لاتفاق الأطراف.
وهذا يعني أن محكمة مركز قطر للمال قد تكون محكمةً مختارة بموجب قانون الدولة نفسه، لا نظاماً منفصلاً يُستدعى من خارجه. وهو خيار يُتفق عليه صراحةً، ولا يثبت بالافتراض. وأثر هذا الاختيار على مسار الطعن والتنفيذ معاً يستحق أن يُدرس قبل التوقيع.
كيف يُتخذ القرار عملياً
- هل موضوع النزاع المحتمل قابل للتحكيم أصلاً، أم أنه من المسائل التي لا يجوز فيها الصلح؟
- أين توجد أموال الطرف الآخر، وأي مسار يُنتج قراراً قابلاً للتنفيذ في ذلك المكان؟
- هل تحتاج المعاملة إلى خبرة فنية متخصصة في من يفصل في النزاع؟
- ما قيمة النهائية السريعة مقابل إمكان المراجعة عبر درجات الطعن؟
- هل السرّية مطلب فعلي؟ فإن كانت كذلك فيلزم النص عليها والتحقق من نطاقها.
- هل يحتمل النزاع الحاجة إلى تدابير عاجلة، ومن يستطيع إصدارها وتنفيذها في الوقت المناسب؟
- من سيتحمل أتعاب المحكّمين والمصروفات، وكيف يُعالج ذلك في البند؟
ولا يُغني ذلك عن دراسة العقد والنزاع بعينهما. وينظر في تفصيل سير التحكيم وفقاً للقانون رقم (2) لسنة 2017، وفي صياغة العقود التجارية. ويقدّم فريق التقاضي وتسوية المنازعات وفريق التحكيم لدينا المشورة في اختيار المسار وصياغة بنود فضّ النزاع.
أبرز النقاط
- الاختيار يقع عند صياغة العقد لا عند نشوء النزاع، فاتفاق التحكيم هو ما يفتح باب التحكيم أو يغلقه.
- لا يصحّ اتفاق التحكيم إلا مكتوباً، وإلا كان باطلاً (المادة 7 من قانون التحكيم رقم 2 لسنة 2017).
- لا يجوز التحكيم في المسائل التي لا يجوز فيها الصلح، فبعض المنازعات لا تقبل التحكيم أصلاً.
- حكم التحكيم لا يُطعن فيه بأي طريق من طرق الطعن إلا بدعوى البطلان، وميعادها شهر واحد (المادة 33).
- للطرفين أن يتفقا على أن تكون المحكمة المختصة هي دائرة منازعات التحكيم بمحكمة الاستئناف أو الدائرة الابتدائية بمحكمة مركز قطر للمال.
المراجع القانونية
مركز قطر الدولي للتوفيق والتحكيم القضائي (QICDRC) — النص الرسمي


